هبطت أسعار النفط بشكل حاد خلال الأسبوع الماضي حيث بلغت جملة خسائرها من قمة نوفمبر أكثر من 14$ للبرميل. وعلى مستوى أداء الأسبوع الماضي، هبط خام غرب تكساس الأمريكي بنسبة 10% بعد أن خسر 2 بالمائة يوم الجمعة وحده، وهي أكبر خسارة أسبوعية منذ مارس الماضي. كما تراجع خام برنت هو الآخر بنسبة 9 بالمائة ليغلق تعاملات الأسبوع عند أدنى مستوى منذ بداية أكتوبر الماضي.

وجاءت هذه الخسائر بشكل رئيسي بعد قفزة كبيرة في عدد الإصابات بفيروس كورونا في الصين، والتي أعقبها فرض السلطات لتدابير مشددة بموجب سياسة ’صفر كوفيد‘. وبرغم التقارير الصحفية التي صدرت مؤخرًا ورجحت تخفيف إجراءات الحجر الصحي التي تفرضها السلطات فور ظهور بؤرة لانتشار الفيروس التاجي، ولكن يبدو أن بكين ليست جادة في هذا الأمر بعد. ويرى البعض أن ترويج هذه الشائعات ربما يهدف لتخفيف وطأة الاحتجاجات التي قام بها السكان في بعض المقاطعات التي خضعت لإجراءات عزل لفترات طويلة.

وعلى أية حال، فإن استمرار سياسة ’صفر كوفيد‘ ستظل تهديدًا رئيسيًا لتوقعات الطلب في ثاني أكبر اقتصاد عالميًا. وعلاوة على ذلك، يتخوف البعض من ظهور موجة جديدة من فيروس كورونا قد تجتاح العالم مع بداية فصل الشتاء وهو ما قد يجبر العديد من البلدان على العودة لإجراءات الإغلاق، والتي شكلت كارثة لأسعار النفط خلال العامين الماضيين.

ويرى خبراء أسواق الطاقة لدى شركة الوساطة الرائدة easymarkets أن السبب الثاني الذي يبرر الخسائر الأخيرة لسعر النفط يرتبط أيضًا بالسياسات النقدية للبنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي. سادت حالة من الارتياح خلال الأسبوع الفائت بعد تباطؤ زيادة معدلات التضخم في الولايات المتحدة حيث سجلت أقل من 8% للمرة الأولى منذ يناير.

وعززت هذه الأرقام من تكهنات البعض بشأن إبطاء الاحتياطي الفيدرالي لوتيرة رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. أدى ذلك إلى إضعاف الدولار الأمريكي، وهو ما أعطى الفرصة للنفط وباقي الأصول المقومة بالعملة الخضراء للارتفاع، حيث يجعلها أقل تكلفة للمشترين بعملات أخرى.

برغم ذلك، تقلصت هذه الرهانات بشكل ملحوظ بعد تصريحات عدد من أعضاء المركزي الأمريكي، والتي أشاروا فيها إلى أنه من المبكر الحديث عن تخفيف التشديد النقدي، خصوصًا وأن بيانات التضخم الأخيرة ليست كافية لتأكيد حدوث تحول هبوطي في اتجاهات الأسعار.

وكانت وكالة الطاقة الدولية قد خفضت توقعاتها للاستهلاك العالمي خلال العام القادم، مشيرة إلى عدد من التحديات التي تواجه الطلب مثل زيادة احتمالات الكساد الاقتصادي واستمرار ضعف الاقتصاد الصيني، فضلاً عن أزمة الطاقة التي تواجهها أوروبا وارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي.

ترجمة هذه التوقعات الهبوطية على الرسم البياني ربما يظهر في كسر خام برنت أسفل القاع المحوري من تعاملات سبتمبر عند 83.62 دولار للبرميل. وبشكل عام، هناك مخاوف بشأن دخول الاقتصاد العالمي مرحلة ممتدة من الكساد في سياق محاولة البنوك المركزية لاحتواء تفاقم الضغوط التضخمية.

هناك أيضًا إشارات على تخمة في المعروض النفطي للمرة الأولى في أكثر من 12 شهرًا، وهو ما يؤكد على جدية التكهنات بشأن ضعف الطلب. نتحدث هنا عن انخفاض السعر الفوري عن السعر المتداول في أسواق العقود الآجلة. ويرى الخبراء أن هذا الوضع سيغري بعض البلدان بشراء النفط وإعادة تعبئة الخزانات في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا بعد السحب من المخزونات الاستراتيجية خلال الفترة الماضية. هذا الوضع بطبيعة الحال سيخفف من وطأة الضغوط التي قد تتعرض لها الدول المستهلكة خلال فصل الشتاء.

على الطرف الآخر من المعادلة، يرى بعض المحللين أن العوامل الصعودية ستتفوق في نهاية المطاف على الضغوط الهبوطية الراهنة. خصوصًا وأن تبعات الحرب الروسية الأوكرانية ستبلغ مداها الأقصى في الشهور القادمة مع دخول فصل الشتاء. وعلاوة على ذلك، من المفترض أن يدخل الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على واردات النفط الروسية حيز التنفيذ في 5 ديسمبر القادم، وهو ما سيحرم أكبر تكتل اقتصادي في العالم من أحد مصادر الطاقة الرئيسية خصوصًا بعد أن حرمتهم روسيا بالفعل من إمدادات الغاز.

ويتوقع الخبراء انخفاض إنتاج النفط من روسيا بمقدار مليوني برميل يوميًا بحلول فبراير عند دخول حظر الاتحاد الأوروبي لصادرات موسكو من الخام والمنتجات البترولية المكررة حيز التنفيذ الكامل. وتوقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري انخفاض إنتاج روسيا إلى 10.2 مليون برميل يوميًا في ديسمبر، وإلى 9.5 مليون برميل يوميًا بحلول فبراير 2023.

من المفترض أيضًا أن يبدأ السوق بالشعور خلال الفترة القادمة بتأثير القرارات التي اتخذها تحالف أوبك+ بخفض إنتاج الدول الأعضاء بنحو مليوني برميل يوميًا. الجدير بالذكر أن هذه الخطوة أثارت غضب الإدارة الأمريكية واتهمت حلفائها الخليجيين بالاصطفاف خلف روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

خاتمة

هناك تناقض كبير بين التوقعات الهبوطية والصعودية، وهو ما يعزى إلى صعوبة التنبؤ بالتأثير الفعلي لعدد من الأحداث الهامة خلال الفترة القادمة. يتعلق الأمر هنا بقدرة أوروبا على الصمود في مواجهة تلاشي إمدادات الطاقة الروسية، وهو التحدي الذي سيبلغ ذروته مع زيادة الطلب خلال فصل الشتاء. إذا فشلت خطط الطوارئ التي اعتمدتها الحكومات الأوروبية للتخفيف من حدة هذه الأزمة، فقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية والتي بدأت بالفعل مع صعود اليمين المتطرف في عدد من البلدان الرئيسية.

هناك أيضًا حالة من عدم اليقين بشأن السياسات النقدية، ناهيك عن جدوى إجراءات التشديد التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي مؤخرًا لاحتواء التضخم. يتخوف بعض المحللين من هيمنة نموذج ’الكساد التضخمي‘ والذي تواصل فيه الأسعار ارتفاعاتها بفعل صدمة التكاليف حتى في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو الاقتصادي. سيعني ذلك بطبيعة الحال استمرار البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة بوتيرة قوية، وهو الأمر الذي سيضر قطعًا بالطلب العالمي وأسواق الأصول المرتبطة بالمخاطرة، وعلى رأسها الأسهم والنفط.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Secured By miniOrange